القاضي عبد الجبار الهمذاني
539
شرح الأصول الخمسة
توبة المحجوب عن الزنا ، فإن صورة الزنا مما لا تتصور منه ، فكان يجب أن تستحيل التوبة عنه ، وفي علمنا بصحة توبته عن الزنا وغيره دليل على أن ذلك مما لا يصح ، وعلى أن في الواجبات ما هو بصورة القبيح ، فكيف يصح هذا الذي ذكرتموه . واعلم أن من أراد التوبة فإما أن تتميز له الصغائر من الكبائر أو لا تتميز ، فإن تميز له الصغيرة من الكبيرة لم يلزمه التوبة عنها إلا سمعا على ما سبق القول فيه ، وهؤلاء الذين تتميز لهم الصغائر من الكبائر إنما هم الأنبياء دون سواهم ، وإن لم تتميز له الصغيرة من الكبيرة تلزمه التوبة من كل معصية أتى بها لتجويز أن يكون كبيرا . واعلم أن من اعتقد في بعض الكبائر أنها حسنة وتاب عن غيرها فإن توبته عنها تصح ، غير أنها تقع محبطة في جنب هذا الاعتقاد ، وذلك كتوبة الخارجي عن الزنا وشرب الخمر مع اعتقاده حسن القتل . وقريب من هذه الجملة الكلام في ، هل تصح التوبة عن بعض الكبائر مع الإصرار على البعض أو لا تصح ، والذي عليه شيخنا أبو علي أنه تصح ما لم يصرّ على شيء من ذلك الجنس ، فلو أنه تاب من شرب الخمر وأصر على الزنا كانت توبته عن الأول توبة نصوحا صحيحة ، فأما إذا أصر على شيء من ذلك الجنس لم تصح توبته ، وذلك لأنه لو تاب عن شرب هذا القدح من الخمر مع إصراره على شرب قدح آخر فلا إشكال في أن لا تصح توبته هذه . وأما شيخنا أبو هاشم ، فقد ذهب إلى أنه لا تصح التوبة عن بعض القبائح مع الإصرار على البعض وهو الصحيح من المذهب . والذي يدل على صحته أن التوبة عن القبيح يجب أن تكون ندما عليه لقبحه وعزما على أن لا يعود إلى أمثاله في القبح على ما تقدم ، وإذا كان هذا هكذا فليس تصح توبته عن بعض القبائح مع الإصرار على البعض ، إذ لا يصح أن يترك أحدنا بعض الأفعال لوجه ، ثم لا يترك ما سواه في ذلك الوجه ، ألا ترى أنه لا يصح أن يتجنب سلوك طريق لأن فيها سبعا ، ثم لا يتجنب سلوك طريقة أخرى فيها سبع ، وكذلك لا يصح أن لا يتناول طعاما لأن فيه سما ، ثم يتناول طعاما آخر مع أن فيه سما . فإن قيل : أليس أن أحدنا يفعل فعلا لوجه ثم لا يجب أن يفعل كل ما ساواه في ذلك الوجه ، فهلا جاز مثله في الترك ؟ قلنا : إن لكل واحد منهما حكما مقررا في العقل وموضعا يخصه فيجب أن يفرد